ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فلسفتي ( من أنا ) |

سبع سنوات من التدوين … سبع سنوات من الغربة … سبع سنوات من الصبر الجميل ،، عشتها على صفحة مدونتي ، نافذتي على الحرية ،، كنت أبثها شكواي وأشجاني ، ومن نافذتها أطل بوجه مبتسم أحيانا أسميتها : غاوي مشاكل … لأن من يطالب بحقه ويعلو صوته وينشد الحرية والتغيير أصبح في القاموس الحديث هكذا… غاوي مشاكل ومن نافذة مدونتي فكرت قبل أسابيع قليلة أن أعلن قرارا مصيريا ، فكرت فيه طويلا وارتأيت في لحظة من اللحظات أن أخضع لهذا القرار .. الذي ربما يأسميه إعلانا أكثر من أن يكون قرارا وكان القرار أو بالأحرى الإعلان هو قطع أية علاقة تنظيمية بيني وبين الجماعة المباركة ، جماعة الاخوان المسلمين وكان الإعلان حتميا حتى لا يحاسبني الناس على انتمائي بل على شخصي فحسب ورغم ان القصة طويلة إلا أني أختصرها في سطور وقد كنت انتوي الا اتحدث فيها مطلقا الا ان احد اخواني الفضلاء نصحني بكتابة تجربتي لتعم الفائدة ولتكون درسا لأصحاب الحقوق وشعاع أمل لهم فلا يضيع حق وراءه مطالب والقصة باختصار : أنني كنت عضوا في هذه الجماعة المباركة التي تربيت عليها وعشقتها وأخلصت لها ولفكرها ثم شاء الله أن يبلوني بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أحد أخواني وأساتذتي ، أساسه الاجتهاد الخاطيء وسوء الظن ثم غادرت مصر ومنذها وانا اطالب بحقي في هذه الجماعة المباركة ، لكن لم ألق ردا مقنعا .. وفي كثير من الاحيان لاقيت تجاهلا تاما على مدار سبعة أعوام طرقت خلالها كل الأبواب لانال حقي في الانتظام وسط صفوف الجماعة كنت دائما أوقن أن الأمل يصنع المستحيل ، فلم ينتابني اليأس مطلقا ، وكنت دائما أطالب بشيئين :اولاهما : أن يكون لي حق في هذه الجماعة فأناله … وثانيهما : أن أكون قد ارتكبت خطأّ وخالفت نظام الجماعة لكن في هذه الحالة يجب أن أقدم للتأديب وفق لائحة الجماعة لكن قدر الله الا
لست من هواة التقاط الصور مع المشاهير ولا يستهويني ذلك إلا نادرا ً بيد أني أعتقد أن ثم نوع من الصور تؤرخ كثيرا من المواقف الناصعة لشخصيات وقورة وعظيمة
ومنذ أن قرر المجلس العسكري الأعلى دعوة المصريين للاستفتاء على التعديلات الدستورية يدور لغط كثير حول هذه التعديلات ما بين مؤيد ورافض لها .
وليس في ذلك منقصة ولا غضاضة فالديموقراطية والحرية تفرض مناخا جيدا للحوار والتعاطي مع الأحداث المؤثرة في مستقبل الوطن
لكن ما يدعو إلى التوقف هي تلك الحالة التي سادت بين قلة من الناس كان مفادها ومعطياتها ونتائجها هو التخوين وفقط
فانتشر بين الناس الترويج لشائعات كثيرة كان أشدها غرابة ما يشعا عن صفقة خفية بين الاخوان المسلمين والجيش المصري لذلك – حسب من يشيعون ذلك – فإن الاخوان والإسلاميين قرروا الموافقة على التعديلات الدستورية.
وهذا الرأي المرفوض إن لم يكن عقما فكريا وسياسيا فهو مسبلة وإهانة لمؤسسة عريقة نحترمها ويجب أن نحترمها جميعا ّ .. فالجيش المصري العظيم الذي يحمي مصر ولا يزال .. ويحمي الثورة ولا يزال لا يجب أن نشك للحظة أنه يميل مع فصيل سياسي دون فصيل آخر ولا أن يعقد صفقات ، وكذلك الاخوان المسلمون الذين يدعون إلى الفضيلة والرقي الأخلاقي .. فلا يعقل أن تصل الاتهامات إلى هذا المستوى.
وكما انتشرت طرفة (الراجل اللي ورا عمر سليمان ) إنتشرت طرفة أخرى .. وهي ما بات معروفا ب(الراجل اللي ورا عم فتحي )
وإن كانت قد كثرت التكهنات في الحالة الأولى عمن يكون الرجل الواقف خلف عمر سليمان فقد اتضح ذلك الرجل الواقف خلف عم فتحي في حين أننا لا نعرف شيئا عن عم فتحي سوى اسمه !!
إنه الدكتور محمد بديع ، المرشد العام لجماعة الاخوان المسلمين والذي ارتضى أن يقف في (الطابور ) خلف عم فتحي لكي يدلي بصوته في الاستفتاء على التعديلات ، وكذلك فعل غيره من العظماء في دولة تنعم في الحرية ولن ترتضي بالتمييز بين أحد.
وقف الدكتور بديع في (الطابور ) لكن ثمة (طوابير ) لم تقف عن دس سمها في المجتمع المصري وإثارة الفتن والشائعات ، فراح بعض الناعقين يتهمون الرجل بأنه تعالى على الناس وتخطى صفوفهم وأدلى بصوته دون أن يراعي مشاعر المتراصين في صفوفهم ، ثم يستدعي أولئك الناعقون صورة السيد رئيس الوزراء الذي لم يرتض ِ ما فعل
الشعب هو الحل !!
يذكر التاريخ دائما ً أن المجتمعات إلى وصلت إلى مرحلة الشيخوخة ظهرت بها جل الأمراض الاجتماعية وعلى رأسها التبلد والأنانية والسلبية القاتلة حتى تكاد تشك بموت هذه المجتمعات
لكن التاريخ نفسه يذكر أيضا ً أن الشعوب ذات التاريخ العريق لا تموت أبدا ً فتبقى بها جذوة من نار الحماسة تتخبأ تحت رماد الوهن والضعف والاستكانة حتى إذا ما أراد الله لها الصحوة وأرادت لنفسها الحياة اشتعلت من جديد وولد الحماس فيها فنفضت ركام الأيام عن كاهلها وانتفضت فصنعت تاريخا ً آخر يضاف إلى تاريخها العريق.
وما وصل إليه مجتمعنا المصري العريق يشبه بدرجة ٍ ما هذه الحالة السالفة …
فرغم حالة الغلاء الغير مسبوقة والتدني في الأجور وقلة ذات اليد والحيلة والفقر الشديد فلا تكاد تسمع همسا ً ولا اعتراضا ً على تلك الأوضاع القاسية .
ولذلك فإن حكومتنا الرشيدة استغلت سلبية الشعب المغلوب على أمره وراحت توزع ما تبقى من كعكة الوطن ، وصاحب الوطن لا يعنيه ذلك من قريب أو بعيد .
ولم تكتف الحكومة الرشيدة بذلك بحسب لكنها راحت تفتري عليه الكذب وتؤكد أن هذا المواطن (الجاحد) –رغم أنه لم يتكلم ببنت شفه – يعيش أزهى عصور الترفيه ورغد العيش ، وراحت تعد عليه أعداد التكييفات التي تم شراؤها في عام واحد ، في الوقت الذي قد تجد أكثر من خمسين بالمائة من المصريين البسطاء لا يعرفون ما معنى كلمة تكييف !!
ورغم ذلك كله… لم ثر المواطن ولم يصرخ… فمتى يصرخ ؟!
وعلى الجانب الآخر من معادلة الظلم الاجتماعي التي يدخل فيها المصري البسيط طرفا ً مرغما ً دون اختيار ، يقف رجال الساياسة ممن يسمون بالمعارضة ، يملأون الكون ضجيجا ً وصخبا ً سياسيا ً يخلو من السياسة والحكمة .
ففي الوقت الذي تم فيه تزوير انتخابات الشعب بصورة لم يسبق لها مثيل راح كبار المعارضة يكونون برلمانا ً شعبيا ً بديلا ً ، وكأنهم يعيشون في بريطانيا مثلا في ظل ديموقراطية حقيقية
فالحكومة سدت كل نوافذ الحياة السياسية أمام الجميع ، ووأدت كل فرص التغيير والفساد قد وصل إلى (فوق السرة ) ولا يزال الفقر يزداد ويزداد في ظل قانون الطوارىء الذي يكبل المواطن ويزيد طينته بلة.
ورغم كل ذلك لا تتفتق عبقرية المعارضة إلا في تكوين برلمان شعبي ، رغم أنهم لم يغيروا شيئاً في الوقت الذي كانوا ضمن منظومة البرلمان (الرسمي ) المزور بالأساس.
ور
الحكومة المختلة عقليا ً
عندما أشعل الشاب التونسي محمد البوعزيزي النار في جسده بعد أن ضاقت به السبل وقلبت له الدنيا ظهر المجن ، لم نسمع تصريحا ً واحدا ً لأي من المسؤولين التونسيين يقول إن البوعزيزي مختل عقليا ، بل على العكس رأينا رد فعلهم على الحادث يؤكد أن الشاب كان يعاني من ضيق ذات اليد وشدة الفاقة التي جعلته ينحى إلى هذا السلوك الغريب للاحتجاج
ثم بعد ذلك زار الرئيس التونسي الهارب الشاب البوعزيزي في مشفاه اعترافا ً بالذنب والتقصير واعترافا ً آخر ضمنيا ً أن الشاب كان بكامل قواه العقلية وقتما أقدم على فعلته
ولأننا شعوب مقلدة في غالب أحوالنا أصبحت فعلة البوعزيزي تقليدا ً يأتي في بعض الأحوال دراميا ً ، حيث قلده الكثيرون في بلادنا التي تبحث عن شيء يساعدها على تحقيق نهاية ٍ مماثلة لنهاية الهارب بن علي لحكام ٍ طال بقاؤهم على كرسي القهر
لكن ذلك ليس مدهشا ً بقدر ما يدهشك رد فعل السادة الكبار على هذه الأحداث المؤسفة
فالبطبع لا أحد يدعو إلى حرق النفس لأنه نوع من اليأس وهو احتجاج سلبي قد لا يفيد كثيرا ً إذا كانت الأنظمة متبلدة الإحساس لا يفرق كثيرا ً معها موت شخص ما
وهذا يستحضر في مخيلتي قول الشاعر العظيم هاشم الرفاعي
والظلم باق ٍ لن يحطم قيده ** شاة إذا اجتثت من القطعان
وذلك ما حدث تماما ً أمس عندما أشعل محام ٍ النار في جسده تعبيرا ً عن الامتعاض والتذمر من أوضاع لا يقبلها أحد
فخرجت علينا حكومتنا الرشيدة بقرار عجيب ، - حيث قررت الحكومة الرشيدة حسب ما نشر في اليوم السابع- منع بيع البنزين إلا بالبطاقة الشخصية !!وببساطة يتطيع أقل الناس ذكاء ً أن يقرر أن السبب هو أن لا يشعل آخرون النار في أجسادهم
وأقل ما يوصف هذا القرار بأنه قرار غاو ٍ من الحكمة والذكاء السسياسي ، بل من الذكاء بمفهومه العام
هل سيعجز أحدهم أن يشتري البنزين ببطاقته الشخصية ثم بعد ذلك يشعل النار في نفسه وفي هذه الورقة
(اشتقت إليك يا صغيري .. لا تطل غيابك خارج البيت فأنا وأمك نشتاق إليك ونقلق كثيرا َ عليك ولا يهدأ قلبنا عن الخفقان إلا بعودتك ) قالت زوجته : من تحدث يا (سامي )؟! وكررت سؤالها لكنه كان غارقا ً في أحلامه بما فيه الكفاية فلم يجب ..
أخذت نفسا ً عميقا ً وهمست بصوت متحشرج ،، يارب نسألك أن ترزقنا من فضلك بذرية صالحة ، و لا نعترض على قدرك بيد أنّا نسألك أن ترزقنا البنين والبنات ولا تحرمنا من الإنجاب ،،
رددتها كثيرا َ بلهفة وشوق وحسن ظن في الله .. ورغم أنها تزوجت و(سامي ) منذ عشر سنوات إلا أنها وزوجها سعيدان صابران شاكران ربهما .. ولسان حالهما ((وكل شيء عنده بمقدار ).
لم تستطع النوم بعد مناجاة زوجها لطفله الذي لم يتحقق بعد ولم يعد سوى حلما َ جميلا يعيشه وكأن أحدهم سرق النوم وهرب به بعيدا َ فنهضت من فراشها لتقف بين يدي الله تهجدا َ وتبتلا َ ودعاء َ عسى الله أن يرزقها وزوجها ويقدر لهما السعادة وراحة البال .
انقضى جل ليلها قائمة تصلي وتدعو حتى سمعت نداء الفجر يستنهض همم النائمين ويحث المؤمنين على السعي بين يدي ربهم قبل أن تقسم الأرزاق ، فقامت من مصلاها مهرولة إلى زوجها لتوقظه لصلاة الفجر.
وبهدوئها المعتاد ربتت على كتفه ورأسه قائلة :
- قم يا (سامي ) .. استيقظ يا زوجي العزيز فمنادي الله يدعوك للوقوف بين يديه..
- ومن ثم استيقظ مبتسما َ ومسلما َ وقال بابتسامة يعلوها الرضا :
- لا حرمني الله من هدهدتك يا رفيقة دربي .. تعاملني كطفل صغير …
- فردت عليه:
تماما َ .. أنت طفلي الصغير أم تراك ستكبر يوما َ؟! ثم من هذا الذي كنت تناجيه في منامك يا رجل ألا تفتأ تذكر صغيرك (الافتراضي ) في منامك ؟!
رد مبتسما َ:
أها .. هل علا صوتي في هذه المرة أيضا وفشى سري؟ !
ابتسمت قائلة لعل الله يرزقنا عما قريب بأولاد وبنات ويحقق أمانينا .. وقبل أن يتمادى في حديثه أردفت قائلة
هيا زوجي الحبيب ، قم وتوضأ واذهب حتى لا تفتك الصلاة ..
وبعد أن عاد من المسجد جلس وزوجته يذكرون الله كما كان ديدنهم كل صباح .. وعقب ذلك أبلغها أنه سيسافر إلى صعيد مصر في مهمة عمل تابعة للشركة التي يعمل بها ..
امتعضت قليلا َ وقالت : لم تخبرني بذلك من قبل أوكان ذلك الأمر مفاجأة لك؟ !
أجابها : لا .. أنا أعلم بهذا الموعد لكني كنت سأعتذر من مديري فلم أتمكن .. وما هي إلا ساعات الطريق ومن ثم متابعة العمل بفرع الشركة ثم أعود أدراجي …
قالت بلهجة تخفي انقباضاَ :
حسنا َ .. سأجهز لك ما تحتاجه في سفرك .. لكن يجدر بك أن تستريح قليلا حتى تستطيع مواصلة طريقك بلا تعب.
شكرها ثم قال :
ليس ثمة وقت يا زوجتي سنتناول إفطارنا ثم أستودعك الله وأذهب لأعود إليك سريعا َ … اتفقنا؟!
ردت إليه مومأة برأسها : اتفقنا .
وبعد قليل ركب (سامي ) سيارته ليشق طريقه في رحلة إلى عمله بعد أن ودع زوجته وأوصاها بما يوصي به الزوج زوجته.
وفي طريقه كان دائما التفكير شارد الذهن تتماوج الأفكار في رأسه وخاطره .. كانت معظمها تتبلور في نعمة المال والبنين وزينة الحياة الدنيا ثم فجأة يقطع حبل أفكاره مستغفرا مسترجعا َ خوفا َ أن يكون ثمة اعتراض على قدر الله ، ومن ثم تعاوده الأفكار وتتماوج به كتماوج سيارته المسرعة في وجه الريح القوية في أجواء الشتاء والمطر.
مرت ساعتان بعدهما فكر في أن يزود سيارته بالبنزين ويتوقف قليلا َ في استراحة ومن ثم يتصل بزوجته ليطمئنها ويطمئن عليها وفي أول استراحة انحرف قليلا إليها وقام بفحص سريع لإطارات السيارة وما شابه وزودها بالوقود ثم اشترى بعض حاجياته بعد أن اتصل بزوجته ثم انطلق ثانية يقطع المسافات إلى عمله.

[
غلاف كتابي (دموع خارج الوطن ) مجموعة قصصية من اصدارات دار البشير ..وسيعرض الكتاب بمعرض القاهرة الدولي للكتاب وبالمكتبات …
للتواصل مع دار النشر : بريد إلكتروني dar_elbasheer@yahoo.com … موبايل : 0162836461 أو 0167467492 والحمد لله رب العالمين
او التواصل معي عبر المد

اعتدت أن أترك جهاز التلفاز مفتوحا قبل نومي .. ربما ذلك لأنني أعيش بمفردي ومن ثم أجد فيه وفي ازعاجه قليلا من أمان..
وذات صباح استيقظت من نومي فنظرت أمامي فإذا بشريط الأخبار على قناة الجزيرة يتضمن كلمة ((عاجل )) تلك الكلمة التي تستثيرني فانتبهت لأقرأ الخبر وقد كان:
(( عاجل : تحطم طائرة ليبية قبيل هبوطها وعلى متنها 183 راكبا ً ماتوا جميعا))
شعرت بانقباض في قلبي وارتعاشة في أوصالي وغرقت في تفكيري وأخيلاتي …
فأنا أعاني من فوبيا الطائرات والأماكن المرتفعة والذي يزيد الطين بلة هو أنني قد حجزت مقعدا ً في رحلة عودة إلى مصر وتبقى على موعدها خمسة أيام ….
ماذا أفعل وأنا اتصبر وأروض نفسي لكي أتغلب على هواجس نفسي وتيه عقلي خلف سراب الخوف من المجهول؟! شعرت بأن هذا الحادث رسالة لي لألغي حجزي وأؤجل رحلتي إلى موعد آخر ريثما ترتاح نفسي من صدمة الخبر وثقل تبعاته التي ستضاف على ما أعانيه من مخاوف إزاء هذه المواقف.
مر يومان .. وكلما مر يوم زادت مخاوفي وكثر غرقي في التفكير في هذه الهواجس وتلك المخاوف .
وأخيرا قررت المجازقة كما أسميتها …
وفي اليوم الخامس من الحادث حملت حقائبي إلى المطار وإلى جانبها أحمل أيضا عبء مخاوفي في رحلة مقدارها خمسين ألف سنة أو يزيد حسب ما يعتقدها عقلي الباطني وحسب تقديرات فوبيا الزمن !
انتظرت كثيرا ربما ألف سنة أو ربما بضع ساعات قبيل أن أصعد إلى الطائرة ..
جلست على مقعدي الذي كان لسوء الحظ المقعد الأخير في الطائرة وخلفي مباشرة ذيلها ومن نافذة صغيرة بجانبي كنت أرى جناها الأيسر ومعه محركها .. وأخذت أفكر في هذا الشيء العجيب كيف سيطير بعد قليل في فضاء فسيح يلتهم كل شىء .. وكيف تستطيع أن تحلق فوق السحاب معتمدة على محرك وبنزين وجهاز حاسوبي قد يتعطل في أية لحظة ومن ثم يكتب عليها الفناء؟!..
كنت مثارا لدرجة كبيرة وكل أفلام الرعب التي شاهدتها خلال حياتي تتراءى أمام أفكاري .. لا سيما التي عرضت قصة سقوط طائرة أو هجوم مسلح على طائرة …
حقا هي هواجس قاسية أصعبها تخيلي لمنظر الطائرة من بعيد وهي نقطة في فضاء متسع تحمل بداخلها عشرات الأرواح وملايين الآمال والآلام والخطط المستقبلية التي قد تتوقف عند مقعد الطائرة في لحظة ما .
بعد قليل.. وقف أحدهم يتلو على مسامعنا الإرشادات :
( سيداتي وسادتي مرحبا بكم …. ستقلع الطائرة على ارتفاع خمس وثلاثين ألف قدم ) عندها كاد قلبي ينفطر … خمس وثلاثون ألف قدم؟!! أين تكون هذه الخمس وثلاثون ألف ؟!! بل أين سأكون أنا وقتئذ ٍ؟! وما شعوري وحالتي ؟! وهل سنكون في لحظة ما مثل (طائرة ليبيا )
ثم أردف قائلا :
(( نرجو من حضراتكم ربط الأحزمة استعدادا للإقلاع )) وعندها تذكرت مشهدا من فيلم سينمائيا للممثل الكوميدي محمد هنيدي عندما علق على هذا القول قائلا : (( يعني اللى ماتوا ما كانوش رابطين الأحزمة )
حاولت أن أضحك أو ابتسم لهذا الموقف الذي يطربني كثيرا ً كلما أتذكره لكن هو ما أنا فيه ألجم شفتي ّ فوجدتني أستمع إلى باقي الإرشادات منصتا ….
كل الإرشادات تدعوك إلى التوتر فربط الأحزمة .. وكيفية استخدام مخارج الطوارىء و كمامات الأوكسجين ووضع الإنحناء وماشبابه … كل ذلك يستثير في دواخلك لحظة انفجار الطائرة أو سقوطها .. فانقلب ظهر المجن .. وبدلا ً من أن تكون إرشادات سلامة تحولت في داخلي إلى ترهيب وتخويف واستثارة للفوبيا التي بداخلي ولو أمل ساعتها لقررت النزول وإلغاء الرحلة بيد أنن
هذه الكلمات سطرتها أثناء رحلتي إلى بيت الله الحرام آداءا ً لفريضة الحج ..
………..
إن أعظم شعائر الله عز وجل وأجلها هي الصلاة …
لا تستقيم عبادات المسلم بدونها ولا يقبل منه يوم القيامة عمل إلا بتمامها فهي عمود الدين ومن أقامها أقامه ومن هدمها هدمه وصدع أركانه ، وكتب من الكافرين ، إذ إن تركها بين الرجل والكفر فمن تركها فقد كفر ..
ورغم ذلك فلم ينزل الله - سبحانه وتعالى - سورة في كتابه المحكم التنزيل باسم سورة الصلاة .
لكنه سبحانه أفر للحج سورة كاملة باسم سورة الحج..
ولله في عباده شؤون .
إنه الحج العظيم .. لله العظيم .. في يوم عرفة العظيم …
وانظر إلى عظمة الله وحكمته .. فالحج عرفة -كما هو معلوم - بيد أن الله الحكيم ورغم أنه أفرد سورة للحج لم يذكر فيها أعظم أركان الحج الذي لا يتم إلا به .. حكمة منه لعباده.
فليس الحج طقوسا كما يظنه البعض وإنما هو استجابة لله الواحد الأحد وامتثالا ً لأمره تعالى..
فبدأت سورة الحج بالنداء ( يا أيها الناس ) وفيها أعظم إشارة وحكمة .. فالذين خرجوا إلى ربهم يقصدون حج بيته ليس هم فقط من سيحشرون عرايا إلى الله تبارك وتعالى .. الجميع منوط به أمر الحشر والحساب وتبعاتهما .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم…
سبحانك ربي !! عبادك الذين خرجوا قاصدين وجهك فحسب تذكرهم بزلزلة الساعة !
إنها حكمة الله تبارك وتعالى ، فليست الرحلة ترفيهية ولا سياحية بل هي جهاد وتضحية .. وهي صورة مصغرة ليوم الحشر بكل أهواله وشدته .. لذلك نبهنا الله إلى التقوى وحاجتنا إليها مذكرنا بزلزلة الساعة وعظمتها وجللها وشدتها .. ومن هنا تبدأ الرحلة … رحلة البعث والحياة الآخرة ..
لا مجال للخطاب الهادىء مع رحلة جهادية قاسية .. تحتاج إلى إثارة قوية للنفس ومكامنها .. وتنبيه لتبعات الطريق وما بها من عثرات وإشارات
لا طواف ولا افاضة ولا مبيت ولا وقوف ينع المرء إن لم يوصله كل ذلك للإخلاص والتقوى وهذه هي ثمرة الطاعات وهدفها .
وتستطرد الآيات الكريمة … يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ..
وهذه هي الصورة الكبرى للصورة الصغرى (صورة رحلة الحج )
فهنا قد لا تسقط كل ذات حمل حملها .. لكنها هناك ستسقطه فور قيامها بين يدي الحشر …
وهنا .. يتماوج الناس سكارى .. لا أحد يأبه لشيء سوى طريقه وتسبيحه .. حتى وكأنك قد تجد المرء تسقط بعض أشيائه فلا يلتفت إلا ذلك كله ..